أصبح المغربي يقلد شخصية ذاك الأشقر صاحب العيون الزرقاء في كل مناحي الحياة محاولا التخلص من عقدة النقص والدونية.

 

يحكى أن تاجرا كان يمتلك حمارين، ينقل عليهما بضاعة من قرية إلى أخرى، وفي أحد أيام الصيف الحار حمل على أحدهما ملحا والآخر قدورا خشبية، وانطلقا كالعادة في الدرب الطويل.

شعر الحمار حامل الملح بالتعب الشديد لثقل حمله، بينما كان حامل القدور سعيدا بخفة حمله، ولما وصلا إلى نهر صغير في منتصف الطريق، عبره الحمار الأول، وكانت مياه النهر تصب إلى ركبتيه، وبسبب الحر الشديد غطس نفسه في الماء، فذاب الملح ولما خرج شعر بالراحة وكأن الحمل قد انزاح عن ظهره، فبدا مرتاحا سعيدا.

 لما رآه الحمار الآخر، أراد تقليده، فغطس نفسه في النهر، وامتلأت القدور بالماء، ولما خرج شعر أن ظهره سينقسم من وطأة القدور المحملة بالماء... وقضى باقي الطريق يئن من التعب والإعياء, الحكمة من هذه القصة أن ما يفيد غيرك قد لا يفيدك بل يمكن أن يضرك.

"الزينوفيليا" مصطلح يوناني الأصل ينقسم إلى قسمين: "زينو" تعني الأجنبي، أما "فيليا" فيقصد بها الحب، وهو مصطلح يدل على شعور الإنسان بأن ثقافته أقل شأنا من ثقافة الاخر وإحساسه بالنقص ودنوية تجاه ذاك الغريب المتفوق، وهي عكس "الزينوفوبيا" التي تعرف برهاب الأجانب والميل إلى الريبة والخوف منهم، فلماذا إذن يعلي المغاربة بكل ما هو أجنبي ويتأففون من كل ما هو مغربي؟

 

عباءة المغربي تحت برنس الأجنبي

"الوقت تغير، لن اكل وألبس أو أفكر مثل أجدادي، لكل زمن أناسه ونحن في زمن حيث أصبحت

للفرد الحرية الكاملة للعيش كما يريد المهم أن يحترم اختيارات الاخر" تجيب رجاء، فتاة في العشرينيات، عن سؤال لماذا تقلد في طريقة لباسها وحديثها ونمط حياتها الأجانب؛ تمط شفتيها لتضيف والسخرية تعلو محياها: "الجلباب التقليدي ليس عمليا ويعيق تنقلاتي اليومية"، لتختم بأن الأفكار ليس لها حدود جغرافية، فطريقة عيشها لا تعيب مغربيتها التي تعتز بها حتى النخاع.

أجساد بلا عقول، هم المقلدون الذين تفرنجوا (نسبة إلى الإفرنج)، غيروا المظهر، المأكل والمبلس، حتى الذوق والتفكير، يفضلون الوجبات السريعة من هامبرغر وبيتزا، ويحتفلون بأعياد الفالنتين و الكريسمس، يرتدون أحدث الصيحات العالمية، وإذا أرادوا أن يقنعوك في حوار ما، يأتوك بمثل من أوروبا والدول المقدمة لكي يظهروا بصورة  الحداثين، المتحررين، المواكبين للعصر والتكنولوجيا.

تسمع كلمتين بالدارجة وخمسا بالفرنسية، تفرك أذنيك لتكتشف لغة جديدة اسمها "العرنسية"، فاشلون حتى في التقليد، نقلد فقط المظاهر، لا نقتدي بالآخر لنأخد منه الصالح ونرمي الطالح لا نحترم القوانين ولا بعضنا البعض، وضعنا عقولنا على الرف لنبدلها بعقل الرجل الأشقر، لبسنا قشرة الحضارية والروح جاهلية كما قال الشاعر نزار قباني.

 

العرنسية.. اضطراب لغوي

يترجل الطفل من السيارة حاملا فوق ظهره محفظة مثقلة بأكوام من الكتب، بعد يوم دراسي متعب، لتراطنه أمه بفرنسية ركيكة: "لا تعلب في الشارع، وادخل مباشرة للمنزل لكي تأكل وتنجز واجباتك المدرسية". هذه عينة من بين الاف، حاضرة بقوة في المجتمع، يتسابقون لتسجيل أبنائهم في مؤسسات خصوصية تعتمد اللغات الأجنبية في مناهجها الدراسية، ظنا منهم أن الحديث مع طفل بالفرنسية، سيصنع منه مولير أو فيكتور هيغو، متناسيين مقولة عالم المستقبليات المغربي الراحل المهدي المنجرة "لا توجد أي دولة في العالم انطلقت في المجال التكنولوجي دون الاعتماد على اللغة الأم".

أحمد عصيد، الباحث في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، أكد أن سبب الاضطراب اللغوي الرئيس هو وجود تعددية لغوية وتنوع في المجتمع غير مدبر بشكل عقلاني، وأيضا بسبب وجود لغات هي لغات المدرسة، لكنها لا تستعمل في الحياة اليومية، بمعنى أن هناك هوة تفصل المدرسة عن العائلة والشارع؛ ولهذا يبقى المواطن معلقا يتذبذب بين عوالم مختلفة ليس فقط من حيث اللغة، ولكن من حيث القيم كذلك. مضيفا، أن "المغربي عندما يتكلم، يضطر للانتقال بين عدة لغات، لأنه في الواقع لا يتقن أيا منها، حتى الدارجة تجده مرتبكا لا يعبر بطلاقة، وهذا مشكل يعود لعدم الحسم في الاختيارات المتعلقة بالسياسة والإعلامية، والنظام التربوي المبني أساسا على ثقافة خارجانية".

 

مخلفات هزيمة حضارية

 عثمان، 24 عاما، هاجر إلى فرنسا لإكمال دراسته الجامعية، لا يخفي انبهاره بالحضارة الغربية وما أحرزته من تقدم في شتى المجالات، وكيف يعتز الأجنبي شعبا ودولة بلغته وثقافته، التي تقف وراءها أمة متعاضدة متحدة، تدافع عنها بكل حزم  وتعصب حميد، ليضيف والغيظ يأخد منه كل مأخد: "نحن المغاربة حتى في المهجر نكره بعضنا البعض ونكيد المكائد، لأننا اعتدنا على أن نحترم الأجنبي ونقدره لنزرى ببني جلدتنا، فيكفيك أن تلقي نظرة على طريقة تعامل الجمارك مع من يحمل جواز سفر مغربي وآخر أحمر".

ابن خلدون تحدث في مقدمته الشهيرة عن أن المغلوب مولع بالاقتداء وتقليد الغالب في سائر أحواله وعوائده، السبب في ذلك مرده إلى كون النفس البشرية تنظر بعين الكمال في من هزمها؛ الشيء الذي ينطبق بشدة على المجتمع المغربي، لدرجة أن هناك من يحن إلى عهد المستعمر، متمنيا عودته لينقذه من التخلف والتيه. مما ينتج عنه زعزعة ولاء الفرد للوطن والتحول إلى طابور خامس.

الهويات المحصنة أو المنكفئة على نفسها لم تعد قابلة للوجود أصلا، لأن نمط العيش حاليا يعرف تمازجا وتماهيا غير مسبوق بين عدد من الأنساق، فاليوم نعيش في مرحلة يتمازج فيها لأول مرة في تاريخ الإنسان نمط حياته كفرد مع رب أسرة، مع موظف ومع شخص يعيش داخل وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا من اثار عملية التفكيك وإعادة التركيب التي تعرفها العولمة، كون هذه الأخيرة لها أوجه متعددة، يبرز الدكتور سمير بودينار، رئيس مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة.

 

مشكل تربوي

التحول الذي حصل في نمط عيش السكان له أسباب عديدة، أبرزها الهجرة من البادية إلى المدينة، التي دفعت الإنسان إلى استلاف عادات وتقاليد الوسط الجديد؛ حيث كان المغاربة يلبسون الحايك والجلباب، بعدها دخل اللباس العصري وعادات الأكل والشراب وغير ذلك من الأشياء التي تمت استعارتها بالتفاعل مع النماذج الوافدة، حيث انخرط الناس فيها بقوة خصوصا مع المرحلة الكولونيالية، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم.

لا شك في كون مواطني هذا البلد لم يتربوا على معرفة الذات، سببه النقص الذي يعرفه النظام التربوي خاصة فيما يتعلق بالتعريف بالمغرب والشخصية الثقافية المغربية، لأن عدم التعريف بهذه المقومات جعلت الإنسان المغربي ليست له هذه الأشياء فيستعيرها من الغير، وحتى عندما يجد لديه ممتلكات رمزية يحتقرها ويفضل دائما الوافد؛ وبالتالي فالنظام التربوي هو الذي يصنع مركب النقص هذا تجاه ممتلكات المغاربة الرمزية الأصيلة، فصاروا كمن وجد قبعة ملقاة على الطريق فارتداها دون أن يسأل لمن تعود...

 

 

مافامي منتدى العائلة المغربية

مافامي

من شيم العولمة بكل أدواتها من تقنيات التواصل الحقيقية و الافتراضية أنها كرست نموذجا جديدا من الفر دانية غزت جيلا بأكمله و جعلته يعيش منفتحا على العالم من خلال شاشة هاتفه أو لوحته أو محمولة دون أية صلة بالعالم الافتراضي . جيل يعيش فردانية دون أدنى صلة بالعالم الافتراضي . جيل يعيش فردا نية دون انزواء يعيش انفتاح دون تواصل. دون السقوط في التباكي و الرثاء على أطلال زمان كنانية نعيش كالزواحف ، نلمس الحقيقة بكل أجسادنا و نشتم رائحة ألأرض الطيبة و نحبها ، أصبحنا كالطيور نجوب العالم دون أن نلمسه أو نلامس تربته . نرى كل شيء ولا نحط بأي مكان. عالمنا الافتراضي ألعالم بالنسبة لنا ، لا نعرف عن حقيقته إلا الصور و عادة الصور خدعة &قووت؛لكن الصورة خيالو ، و خيالو ماشي بحالو&قووت؛ كما رددها عبد الهادي بالخياط قبل أن ينزوي وراء لحيته و يزهد على طريقه في هاته الدنيا و محرماتها . أمام هذه الحقيقة التي تبدو وأنه لابد منها، تبقى العائلة هي الملاذ الوحيد لإعادة الروح للعلاقة الإنسانية. العائلة الصغيرة جدا عائلة الأب والأم و الأبناء، تلك النواة الأولى التي أعطت روح الحياة للعالم. لأجل هاته النواة و لمواكبة نموها