يحيل الجسد،  اعتباره أداة لتعريف الفرد، بشكل أو بآخر على مفهوم الهوية الخارجية التي يراد لها أن تكون واجهة الإنسان على الآخرين. فالإنسان هو جسده يتجلى في الجسد و عبره. 

بين الجسد كمعطى طبيعي محض، و الجسد و قد تغلف بثقافة محيطه الخاص، فمن البديهي أن علاقتنا مع العالم و مع الآخرين ليست ممكنة إلا مع الجسد، إذ يعتبر هذا الأخير بوابتنا على العالم. فعبره تتبلور الذات الإنسانية وتتمظهر في صور متعددة كالإشارات، و الإيماءات، و الحركات ، و اللمس، و النظر، والرقص ...و تعتبر مختلف هذه التعابير الجسدية خزانا رمزيا معبأ بدلالات متعددة، تحيل على الوجود الإنساني بشتى تجلياته، و التي يمررها الجسد عبر مختلف الطقوس و الأهازيج و الرقصات، و مختلف أشكال الكتابة سواء بالجسد أو على الجسد نفسه.

من هنا يمثل الوشم إحدى أهم هذه التعابير الجسدية، ليس فقط بسبب تاريخه غير المتناهي في القدم، بل أيضا بفضل استمراره في الفعل و التأثير لحدود اللحظة. فما هي إذن المعاني و الدلالات التي تسكن في عمق الجسد الموشوم ؟ و كيف يمكن أن يساعدنا هذا الجسد على فهم ما يحتدم داخل واقعنا من قضايا سياسية و اجتماعية و ثقافية؟ و كيف يمكن من خلال قراء و فهم هويتنا الراهنة؟

 

فعل كوني قديم : 

يعتبر الوشم رسما تزيينيا و رمزيا على الجسد عرفه الإنسان منذ القدم، و لجأ إليه لأغراض طبية رمزية و دينية و جمالية  في عدة حضارات. بل إنه يعد طقسا يعبر به الإنسان من وضع اجتماعي إلى آخر.

و ترجع كلمة وشم إلى الإسم البولينيزي  Tatou أو   Tatahou (   Taهي الرسم)، غير أن هذا لا يعني رجوع أصله إلى منطقة معينة، فقد وجد في مجموعة .

و الجذر Ta ، الذي يحمله هذا الإسم ، يذكرنا بكلمة أخرى و هي طوطم  totam، و أيضا لمة تابوtabou. و إذا كان التشابه اللفظي حاضر بقوة، فإن التشابه على مستوى المضمون أشد و أقوى، إذ ترتبط لأولى بما هو محرم و مقدس و ممنوع مسه بسوئ، و الثانية بما هو مبارك و رهيب في الآن نفسه.

و الكلمتان مرتبطتان ببعضهما ، كما يمكن التعرف على ذلك في كتاب " الطوطم و التابو" لفرويد. و هذا البعد المركب للمقدس و المحرم الذي يتضمن في الوقت نفسه الخير والشر، هو ما يتضمنه الوشم، ( إذ نجد أن اشتقاق "وشيمة" رجوعا إلى معجم المعاني الجمع، يعني الشر) فإن كان  منشوء لحماية حامله من القوى الشريرة ، سواء المرئية أو الخفية، فإنه يتهدد للسبب ذاته نظرا لوضوحه، فإن خرج المرء من نطاق قبيلته التي تشرعن تلك الوشوم ، قد يجد المرء م نطاق قبيلته التي تشرعن تلك الوشوم،  قد يجد نفسه محط تساؤل و اتهام. أما في مايخص تاريخ الوشم فإنه يرجع، على الأقل، إلى العصر الحجري الحديث حيث تم العثور على مومياء تعود إلى العصر النحاسي أي حوالي عام 3400 قبل الميلاد، و قد كان هذا الوشم عبارة عن نقاط و خطوط في أسفل العمود الفقري، و خلف الركبة  اليسرى و على الكاحل الأيمن.

وكذلك تم اكتشاف مومياءات  أخرى تحمل وشوما يعود تاريخها إلى نهاية  الألف الثاني قبل الميلاد، مثل مومياء أمونيت في مصر القديمة و غيرها من المومياءات في البيروسيبيريا و منغوليا ... و بحسب الباحثين في علم الآثار، فقد ارتبط الوشم ي تلك المجتمعات و القبائل بوحدة الهوية، و الإندماج الإجتماعي، والخضوع التام للتقاليد و الأعراف و العادات السائدة. و قد اختلفت النظرة  للوشم باختلاف الحضارات، فبينما اهتم اليابانيون به و خصوه للية القوم من أجل التباهي ، فقد كان الوشم عند الإغريق و الرومان للتمييز بين الأحرار و العبيد، فقد كانوا يشمون على جباه العبيد عبارة "أوقفوني أنا هارب".

 

الوشم في المغرب

لم يرمز فن الوشم في الماضي إذن إلى تحديد الهوية الفردية. فقد كان جزءا مهما من المشروع الثقافي للجماعة، إذ كانت علامات الوشم بمثابة شعار لدى القبائل.

بالنسبة لتاريخ المغرب، حظي الوشم برمزية اجتماعية وسياسية قوية، فقد شكل أساس الانتماء الإجتماعي، و ركيزة الشعور بالهوية المشتركة التي أسهمت في ضمان حد كبير من التناغم بين كافة أطراف القبيلة. من هذا المنطلق، كان الوشم يحيل على هوية حامله، وانتماءه القبلي، شأنه في ذلك شأن الزخارف النسيجية المبثوثة بشكل خاص في رداء المرأة المعروف ب "الحايك" أو "تاحنديرت" عدا عن الحلي و الزربية و الحنبل التقليديين.

 و من أبرز الدلالات التي تتخدها الرموز الوشمية عند القبائل الأمازيغية، نجد الدلالة على الخصوبة و على الأنوثة، و على القوة و العنف، و على الإتقاء من الشر ز الموت، و على الفرح...

فالوشم عند النساء مثلا هو إعلان عن مرحلة النضج والاستعداد لاستقبال الرجل، و الإناطة بوظيفة الزواج، بحيث يصبح الوشم بالنسبة للمرأة الأمازيغية بوابة عبور لسن الرشد. و هو في هذه الحالة، يصبح مظهرا  جماليا تود من خلاله المرأة الشابة إبراز مفاتنها، و إعلان نضج أنوثتها، فيصبح الوشم خطابا و علامة سميولوجية تستهدف الأخر المشاهد. و مع الأسف ، أثبتت الدراسات الإثنوغرافية، منذ بداية الحماية الفرنسية، أن المجتمعات الحديثة قد نسيت الكثير من معاني تلك الرموز الوشيمة. فقد سأل "إميل لاووست" أحد الإثنوغرافيين الفرنيسيين، مجموعة من النساء عن معاني الوشم، و ثبت أن العديد منهن لم يكن على علم بمعنى تلك الوشوم، غير أن هذا لا يقتصر تأصيل  اوشم لدى القبائل الأمازيغية، فقط، على بعث الأشكال التراثية للقبائل أو استلهامها فحسب، ولكن يهدف في الوقت نفسه إلى حماية الموروث الثقافي وضمان استمراريته، كما أنه ليس فقط تحقيقا لقيم جمالية أو إديولوجية ، بل هو محاولة لتأكيد الوجود. إذ انطلق الوشم كتعبير عن فلسفة الإنتقال من الطبيعة إلى الثقافة ( أي من الجسد كمعطى طبيعي إلى الجسد كبناء)،أو الإنتقال من الشفهي إلى المكتوب، فإن الوشم اليوم أصبح تعبيرا عن الإنتقال من المركز الجماعي إلى تعدد المراكز أي نحو الهاشمي و المختلف.

البحث عن الذات الضائعة

أُثبتت مجموعة من الدراسات الإقبال على الوشم إبان الفترات التي تعاني فيها المجتمعات من مشاكل و أزمات. و لا عجب إذن من ارتباط الوشم حاليا، و في الغالب، بفئة الشباب و المهمشين و الصعاليك المشردين، و الذين يتمردون على قوانين المجتمع و أعرافه و عاداته. بهذا يمكن أن نعتبر الوشم بمثابة تعبير فئوي ساخط على الأوضاع المجتمعية السائدة، و تحويله إلى واجهة للتعبير،و إعلان عن الثورة و الرغبة في التغيير، و التطلع إلى واقع أفضل. نلاحظ إذن أن هناك رجوعا قويا للوشم، مع اختلافه الشديد عما كان عنه في السابق، ومن أبرز العوامل التي أسهت في ذلك، يأتي في مقدمتها "تحول المفهوم التقليدي للجسد" ، إذ أن تقدم التكنولوجيا و علوم الطب يجعل الناس يعتبرون الجسد بمثابة شيء قابل للتغيير و التعديل، فالكثير من الأشخاص باتوا يخضعون لعمليات جراحية و تجميلية، إذ يعتقد هؤلاء أن مسؤولية تشكيل الجسد و تصميمه تقع على عاتقهم.

 لم تعد الهوية ذلك الشيء الموروث كما كان ينظر لها في السابق، بل أصبحت أمرا يمكن تصميمه، فيما يمكن اعتباره بحثا عن هوية فردية متميزة، و كأن صاحب الوشم يريد أن يبين أن فرض الوجود له علاقة بالوشم. من هنا، أصبح هذا الأخير يرمز للتاريخ الفردي عوض الجماعي، مبرزا لحظات مهمة في حياة الجسد الموشوم، و في علاقته بالزمان و المكان.